بعد أكثر من عقد على الجهوية المتقدمة… هل يفتح مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 صفحة جديدة في تدبير الجهات بالمغرب؟
الجهوية الجديدة
عندما صادق المغاربة على دستور سنة 2011، لم يكن إقرار الجهوية المتقدمة مجرد تعديل في التنظيم الإداري أو إعادة رسم للخريطة الترابية، بل شكل تحولًا عميقًا في فلسفة تدبير الدولة. فقد انتقل المغرب من نموذج يقوم على مركزية القرار إلى تصور دستوري يمنح الجهات مكانة محورية في التخطيط التنموي، واتخاذ القرار، وتنفيذ المشاريع، باعتبارها فاعلًا أساسيًا في تحقيق التنمية الترابية وتعزيز الديمقراطية المحلية.
ولهذا الغرض، خصص دستور 2011 الباب التاسع للجماعات الترابية، وأرسى من خلاله أسس الجهوية المتقدمة باعتبارها أحد أهم أوراش الإصلاح المؤسساتي، وخيارًا استراتيجيًا لتعزيز اللامركزية، وتقريب القرار العمومي من المواطنين، وتحقيق تنمية أكثر عدالة وتوازنًا بين مختلف جهات المملكة.
غير أن المبادئ الدستورية، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول إلى واقع بمجرد التنصيص عليها، وإنما تقتضي إطارًا قانونيًا يحدد آليات تنزيلها واختصاصات مختلف الفاعلين. ومن هذا المنطلق، صدر سنة 2015 القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، الذي شكل الإطار القانوني لتفعيل مقتضيات الدستور، ومنح الجهات اختصاصات ذاتية ومشتركة ومنقولة، وكرس مبدأ التدبير الحر، وأرسى آليات جديدة للتخطيط والتمويل والحكامة.
وقد استقبل هذا القانون، عند صدوره، بكثير من التفاؤل، باعتباره خطوة نوعية نحو تمكين الجهات من الاضطلاع بأدوار تنموية أوسع. غير أن ما حمله من طموحات اصطدم، خلال ما يقارب عقدًا من التطبيق، بإكراهات عملية أظهرت أن نقل الاختصاصات وحده لا يكفي لتحقيق التنمية المنشودة، ما لم يواكبه وضوح في المسؤوليات، ونجاعة في التنسيق، ومرونة في التنفيذ، وتوفير الموارد البشرية والمالية الكفيلة بتمكين الجهات من ممارسة اختصاصاتها على الوجه الأمثل.
وكشفت التجربة العملية عن استمرار عدد من الإشكالات، من أبرزها تداخل الاختصاصات بين مختلف المتدخلين، وبطء تنفيذ المشاريع، وضعف التنسيق بين الإدارة المركزية والجهات، فضلًا عن استمرار بعض مظاهر المركزية في تدبير ملفات يفترض أن تدخل ضمن الاختصاصات الجهوية. وقد انعكس ذلك على قدرة المجالس الجهوية على الاضطلاع بالأدوار التي رسمها لها الدستور.
كما أظهرت الممارسة أن العديد من المنتخبين كانوا يتوفرون على الإرادة السياسية لتفعيل البرامج التنموية، غير أنهم لم يتوفروا دائمًا على الوسائل القانونية والإدارية والمالية الكافية لترجمة تلك الإرادة إلى مشاريع ملموسة. وفي المقابل، لم تحقق برامج التنمية الجهوية، التي يفترض أن تشكل المرجع الأساسي لتوجيه الاستثمار العمومي داخل كل جهة، النتائج المأمولة في عدد من الحالات، سواء بسبب التأخر في الإنجاز، أو تعثر التمويل، أو تغير الأولويات خلال الولايات الانتخابية.
ومن بين أبرز الإشكالات التي أثارت نقاشًا واسعًا، مسألة استمرارية المشاريع التنموية. فقد شهدت بعض الجهات توقف مشاريع أو مراجعة أخرى مع انتهاء ولاية مجلس جهوي وتولي مجلس جديد مهامه، خصوصًا عندما كانت الأغلبية السياسية الجديدة تتبنى أولويات مختلفة. وفي بعض الحالات، أعيد النظر في برامج سبق أن استُثمرت فيها اعتمادات مالية وبلغت مراحل متقدمة من الإنجاز، وهو ما طرح تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة القانونية الحالية على ضمان استمرارية السياسات العمومية الترابية بعيدًا عن تأثير التغيرات السياسية.
ولم تكن الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع بمنأى عن هذه الملاحظات. فرغم إحداثها لتوفير الخبرة التقنية وتسريع وتيرة الإنجاز، فقد واجهت بدورها مجموعة من القيود القانونية والإدارية والمالية، مما جعل مساطرها، في بعض الحالات، لا تختلف كثيرًا عن مساطر الإدارات التقليدية، وهو ما أثر في مستوى النجاعة والسرعة اللتين أحدثت من أجلهما.
وفي المقابل، كان المغرب يواصل إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى في مجالات البنيات التحتية، والاستثمار، والصناعة، والطاقات المتجددة، والموانئ، والربط السككي، إلى جانب تنزيل عدد من الأوراش الوطنية الكبرى. وهي مشاريع تتطلب جهات قوية وقادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية، واستقطاب الاستثمار، وتوفير شروط التنزيل الترابي الفعال للسياسات العمومية، بدل الاكتفاء بأدوار تقتصر على المصادقة على البرامج والميزانيات.
وفي ضوء هذه الحصيلة، باشرت الحكومة تقييم تجربة تطبيق القانون التنظيمي رقم 111.14، بهدف الوقوف على مكامن القوة والاختلالات التي أفرزتها سنوات الممارسة. وأسفر هذا المسار عن إعداد مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، والذي استكمل مساره التشريعي، وصرحت المحكمة الدستورية بمطابقته للدستور، في انتظار استكمال إجراءات إصداره ونشره في الجريدة الرسمية حتى يدخل حيز التنفيذ.
ولا يرمي مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 إلى إرساء نموذج جديد للجهوية المتقدمة، بقدر ما يهدف إلى تطوير آليات اشتغالها، وتحسين حكامة تدبيرها، ومعالجة عدد من الاختلالات التي كشفت عنها التجربة العملية. ويمكن تلخيص فلسفته في ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في تعزيز استمرارية المشاريع التنموية وعدم ربطها بتغير المجالس المنتخبة، والرفع من نجاعة تنفيذ البرامج الجهوية، وتوضيح بعض الاختصاصات والعلاقات المؤسساتية التي أثارت صعوبات عملية خلال سنوات التطبيق.
وتكتسي هذه المراجعة أهمية خاصة لأنها تأتي في ظرفية يشهد فيها المغرب تحولات اقتصادية واستراتيجية متسارعة، ترتبط بتنزيل الأوراش الكبرى للمملكة، واستقطاب استثمارات وطنية ودولية، والاستعداد لاحتضان تظاهرات عالمية، وتعزيز موقعه كمحور اقتصادي ولوجستيكي على المستويين الإفريقي والمتوسطي. وهي رهانات تجعل من تقوية الجهات خيارًا استراتيجيًا يفرضه الواقع التنموي، وليس مجرد تعديل تقني لنص قانوني.
وبذلك، فإن مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 لا يطرح فقط مسألة تعديل بعض المقتضيات القانونية، بل يعيد فتح النقاش حول مدى قدرة الجهوية المتقدمة، بعد أكثر من عشر سنوات على إقرارها دستوريًا، على تحقيق الغاية التي أنشئت من أجلها، والمتمثلة في جعل الجهة فضاءً حقيقيًا للتنمية واتخاذ القرار، وليس مجرد مستوى ترابي لتدبير الاختصاصات.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل تكفي هذه التعديلات القانونية لتحقيق الأهداف التي رسمها دستور 2011 للجهوية المتقدمة؟ أم أن التحدي الحقيقي يتجاوز النصوص القانونية ليشمل الإمكانيات البشرية، والموارد المالية، وثقافة التدبير العمومي، وطبيعة العلاقة بين الدولة والجماعات الترابية؟
انطلاقًا من هذه الخلفية، يسعى هذا الملف إلى قراءة مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 في ضوء حصيلة تطبيق القانون التنظيمي رقم 111.14، من خلال الوقوف عند أبرز مستجداته، وتحليل مدى قدرته على معالجة الإشكالات التي أفرزتها التجربة، واستشراف أثره المحتمل في تعزيز الحكامة الترابية وتحقيق التنمية الجهوية بالمغرب.