هل تبدأ التنمية من الثقافة أم من الاقتصاد؟ قراءة مغربية في تجارب بناء الإنسان
الجهوية الجديدة
منذ عقود، يكاد النقاش حول التنمية في العالم العربي لا يغادر دائرة المؤشرات الاقتصادية: نسب النمو، وحجم الاستثمارات، وعدد المشاريع، وتطور البنيات التحتية. ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإنها لا تقدم سوى جزء من الصورة؛ فالتنمية، في جوهرها، ليست سباقًا في تشييد الطرق والموانئ والمناطق الصناعية، بل هي، قبل كل شيء، عملية لبناء الإنسان، وتحرير قدراته، وإطلاق طاقاته الفكرية والإبداعية.
ولم يعد هذا السؤال ترفًا فكريًا، بل أضحى ضرورة في ظل التحولات العالمية المتسارعة. فالدول التي تتصدر اليوم مؤشرات الابتكار والتنافسية لم تبلغ هذه المكانة لأنها تمتلك الموارد الطبيعية أو الأسواق الكبرى فحسب، بل لأنها استثمرت في الإنسان قبل أن تستثمر في الاقتصاد. فالاقتصاد القوي هو، في نهاية المطاف، ثمرة مجتمع متعلم، وثقافة تُعلي من قيمة المعرفة، ومؤسسات تؤمن بأن رأس المال الحقيقي هو العقل البشري.
في المغرب، كما في كثير من بلدان الجنوب، شهدت السنوات الأخيرة إنجاز مشاريع هيكلية كبرى، من موانئ وطرق سيارة وخطوط للقطار فائق السرعة، إلى مناطق صناعية ومنصات لوجستية. وهي مشاريع لا يمكن إنكار دورها في تحسين البنية الاقتصادية وتعزيز جاذبية الاستثمار. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل واكب هذا الاستثمار المادي استثمارٌ مماثل في الإنسان؟
فالتقارير الوطنية والدولية ما تزال تشير إلى تحديات تواجه المدرسة المغربية، سواء على مستوى جودة التعلمات أو الحد من الهدر المدرسي، فيما تعاني الجامعة من محدودية البحث العلمي وضعف ارتباطه بحاجيات المجتمع والاقتصاد. أما القراءة، التي تشكل المدخل الطبيعي لإنتاج المعرفة، فما تزال خارج السلوك اليومي لفئات واسعة من المجتمع، في وقت أصبحت فيه الأمم تتنافس بما تنتجه عقولها أكثر مما تنتجه حقولها ومناجمها.
وقد نبه المفكر المغربي الراحل المهدي المنجرة إلى أن معركة المستقبل لن تكون معركة الموارد، بل معركة المعرفة، معتبرًا أن المجتمعات التي لا تنتج العلم والتكنولوجيا ستظل رهينة للتبعية مهما امتلكت من إمكانات طبيعية. أما محمد عابد الجابري، فقد ربط أي مشروع نهضوي بضرورة تجديد العقل العربي وتحريره من أنماط التفكير التي تعيق الإبداع وإنتاج المعرفة. ورغم اختلاف مقاربتيهما، فإنهما التقيا عند فكرة مركزية مفادها أن التنمية تبدأ من الإنسان، لا من الآلة.
ولم تبق هذه الفكرة حبيسة الكتب، بل تحولت إلى سياسات عمومية في عدد من الدول. فاليابان، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة، جعلت من إعادة بناء منظومتها التعليمية والإدارية أحد المرتكزات الأساسية للنهوض، إلى جانب إعادة بناء الاقتصاد. واعتبرت أن الانضباط والجودة واحترام الوقت ليست مجرد سلوكيات فردية، بل عناصر من الثقافة الوطنية التي تسهم في صناعة اقتصاد قوي.
والأمر نفسه ينطبق على كوريا الجنوبية، التي تحولت خلال أقل من نصف قرن من دولة محدودة الإمكانات إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية في العالم. ولم يكن ذلك بفضل وفرة الموارد الطبيعية، وإنما نتيجة استثمار طويل النفس في التعليم والبحث العلمي، وربط المعرفة بالإنتاج.
أما التجربة الفنلندية، التي كثيرًا ما يُستشهد بها في إصلاح التعليم، فتؤكد بدورها أن الاستثمار في المعلم، والارتقاء بجودة المدرسة، كانا من المرتكزات الأساسية التي أسهمت في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فقد آمنت الدولة بأن بناء مواطن يمتلك التفكير النقدي والقدرة على الابتكار يشكل ضمانة حقيقية لأي نهضة مستدامة.
ولا تدعو هذه التجارب إلى المفاضلة بين الاقتصاد والثقافة، لأن الفصل بينهما، في الأصل، فصل مصطنع. فلا اقتصاد حديث من دون تعليم جيد، ولا صناعة متطورة من دون بحث علمي، ولا استثمار منتج من دون إدارة كفؤة، ولا إدارة ناجحة من دون منظومة قيم تقوم على النزاهة والكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي السياق المغربي، يكتسي هذا النقاش أهمية خاصة مع ورش الجهوية المتقدمة، الذي لا ينبغي أن يُختزل في نقل الاختصاصات والموارد المالية بين المركز والجهات، بل يفترض أن يكون مشروعًا لإطلاق دينامية ثقافية ومعرفية داخل كل جهة، انطلاقًا من خصوصياتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية. فكل جهة تمتلك رصيدًا من الذاكرة والتراث والكفاءات والطاقات الشبابية، غير أن تحويل هذا الرصيد إلى قوة تنموية يحتاج إلى مؤسسات ثقافية وتعليمية وإعلامية قادرة على تأطيره واستثماره.
فالجهة التي تنتج المعرفة، وتشجع البحث العلمي، وتدعم المبادرات الثقافية، وتوفر فضاءات للإبداع، ستكون أكثر قدرة على جذب الاستثمار وخلق الثروة من جهة تكتفي بتوفير العقار والتجهيزات. ولم يعد المستثمر اليوم يبحث فقط عن البنية التحتية، بل يبحث أيضًا عن الكفاءات، وعن بيئة معرفية قادرة على مواكبة التحولات التكنولوجية والاقتصادية.
كما أن الإعلام، الذي يُنظر إليه أحيانًا باعتباره مجرد ناقل للأحداث، يظل أحد أهم أدوات بناء الوعي الجماعي. فالإعلام الذي يفتح النقاش حول قضايا التعليم والثقافة والابتكار والعدالة المجالية، ويسلط الضوء على التجارب الناجحة والمبادرات المحلية، يسهم في صناعة التنمية بقدر ما تسهم فيها المؤسسات الاقتصادية.
لقد أصبح واضحًا أن العالم يدخل مرحلة جديدة عنوانها اقتصاد المعرفة، حيث لم تعد الثروة تُقاس فقط بما تنتجه المصانع، بل أيضًا بما تنتجه الجامعات ومراكز البحث وحاضنات الابتكار. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة ترتيب الأولويات، ليس بالتقليل من أهمية الاستثمار الاقتصادي، وإنما بجعل الاستثمار في الإنسان شرطًا لنجاحه واستدامته.
إن التنمية الحقيقية لا تبدأ عندما يرتفع معدل النمو فحسب، وإنما عندما يصبح التعليم الجيد حقًا فعليًا، والكتاب جزءًا من الحياة اليومية، والبحث العلمي رافعةً للقرار العمومي، والثقافة مجالًا لصناعة الوعي لا نشاطًا هامشيًا. عندها فقط يصبح الاقتصاد انعكاسًا طبيعيًا لمجتمع يمتلك القدرة على التفكير والإنتاج والابتكار.
ولعل الرهان الأكبر الذي يواجه المغرب اليوم لا يكمن في تشييد المزيد من البنيات التحتية فحسب، بل في بناء مواطن قادر على تحويل تلك البنيات إلى قيمة مضافة، وإلى معرفة، وإلى ثروة مستدامة. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي استثمرت في الإنسان ربحت المستقبل، بينما ظلت تلك التي اكتفت بالاستثمار في الحجر تبحث، جيلًا بعد جيل، عن أسباب تعثرها.