لم يكن الحريق الذي اندلع في ميناء دمياط المصري حادثًا عابرًا يمكن وضعه في خانة الحوادث الصناعية المعتادة، بل جاء في توقيت إقليمي شديد الحساسية، وعلى منشأة ترتبط مباشرة بأمن الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط. وبينما أكدت السلطات المصرية أن الحريق تم احتواؤه دون خسائر بشرية، أشارت النتائج الأولية إلى احتمال تعرض السفينتين لهجوم بطائرة مسيّرة، في حين لم تعلن أي جهة مسؤوليتها حتى الآن، ولم تصدر نتائج نهائية للتحقيق تحدد هوية المنفذ.
هذا الغموض هو ما يجعل الحدث أكبر من مجرد خبر أمني. ففي الحروب الحديثة لم تعد المعركة تدور فقط حول من يضغط على الزناد، بل حول من ينجح في صياغة الرواية الأولى. فخلال السنوات الأخيرة أصبحت الطائرات المسيّرة أداة منخفضة التكلفة وعالية التأثير، قادرة على استهداف منشآت استراتيجية وإرباك أسواق الطاقة وخلق موجات من القلق السياسي والاقتصادي.
اللافت أن استهداف منشآت الغاز لا يقتصر أثره على الدولة التي تقع فيها، بل يمتد إلى أسواق الطاقة وخطوط الإمداد الدولية. لذلك فإن أي حادث من هذا النوع يثير تلقائيًا أسئلة حول الرسائل التي يراد إيصالها، والجهة التي يمكن أن تستفيد من رفع مستوى التوتر في المنطقة.
غير أن الخطأ الذي يقع فيه كثيرون هو الانتقال مباشرة من السؤال إلى الاتهام. فالتاريخ مليء بحوادث نسبت في ساعاتها الأولى إلى أطراف معينة، قبل أن تكشف التحقيقات لاحقًا معطيات مختلفة. كما أن عالم الاستخبارات يشهد عمليات معقدة يسعى فيها كل طرف إلى تضليل خصومه، سواء عبر إخفاء بصماته أو عبر محاولة دفع الرأي العام إلى استنتاجات تخدم مصالحه.
لهذا السبب، فإن تعدد الفرضيات لا يعني صحة أي منها. فمن الممكن نظريًا أن يكون المنفذ طرفًا يسعى إلى توجيه رسالة مباشرة، ومن الممكن أيضًا أن يكون طرفًا آخر يريد تحميل خصمه المسؤولية وإحراجه سياسيًا أو عسكريًا. لكن هذه السيناريوهات تبقى في دائرة التحليل، ولا يمكن التعامل معها كحقائق ما لم تدعمها أدلة ميدانية وتحقيقات رسمية.
ومن منظور مغربي، فإن ما يحدث في شرق المتوسط ليس بعيدًا عن مصالح المملكة. فالمغرب يرتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية مع محيطه المتوسطي، كما أن أي اضطراب في حركة الطاقة أو الملاحة البحرية ينعكس، بدرجات متفاوتة، على الاقتصاد الإقليمي وأسعار النقل والتأمين والاستثمار. لذلك فإن استقرار الموانئ الكبرى في المنطقة لم يعد شأنًا محليًا، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الاقتصادي المتوسطي.
يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام حادث معزول، أم أمام بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها المواجهة الإقليمية إلى استهداف البنية التحتية للطاقة خارج ساحات القتال التقليدية؟ الإجابة لن تقدمها التكهنات ولا مواقع التواصل الاجتماعي، بل ستحددها نتائج التحقيقات والأدلة الفنية، من تحليل بقايا المسيّرة إلى بيانات الرادار وصور الأقمار الصناعية.
إلى أن يحدث ذلك، فإن أكثر ما يمكن الجزم به هو أن حريق دمياط كشف مرة أخرى هشاشة المنشآت الاستراتيجية أمام أسلحة صغيرة نسبيًا، وأن معارك القرن الحادي والعشرين قد تبدأ بطائرة مسيّرة، لكنها تمتد سريعًا إلى أسواق الطاقة والسياسة والرأي العام، حيث تصبح المعلومة نفسها سلاحًا لا يقل تأثيرًا عن أي انفجار.